ابن كثير

387

السيرة النبوية

قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه : " بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض : فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زملوني ، زملوني . فأنزل الله " يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاهجر " فحمى الوحي وتتابع . ثم قال البخاري : تابعه عبد الله بن يوسف ، وأبو صالح ، يعنى عن الليث ، وتابعه هلال ابن رداد ( 1 ) عن الزهري . وقال يونس ومعمر : - بوادره ( 2 ) . وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه ، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي إسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما ، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ، ولله الحمد ، وانتهى سياقه إلى قول ورقة : أنصرك نصرا مؤزرا . فقول أم المؤمنين عائشة " أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " يقوى ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب . فقال : اقرأ ، فقلت : ما أقرأ ؟ فغتني ، حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء . فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة ، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري ، أنه رأى ذلك في المنام ، ثم جاءه الملك في اليقظة . وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : في كتابه " دلائل النبوة " : حدثنا محمد بن أحمد

--> ( 1 ) الأصل والمطبوعة : داود . وهو تحريف ( 2 ) أي ترجف بوادره بدل رواية : يرجف فؤاده .